محمد بن جرير الطبري
103
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مِنَ الْفَجْرِ قال : ذلك الخيط الأَبيض هو من الفجر نسبة إليه ، وليس الفجر كله ، فإذا جاء هذا الخيط وهو أوله فقد حلت الصلاة وحرم الطعام والشراب على الصائم . وفي قوله تعالى ذكره : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أوضح الدلالة على خطأ قول من قال : حلال الأَكل والشرب لمن أراد الصوم إلى طلوع الشمس ؛ لأَن الخيط الأَبيض من الفجر يتبين عند ابتداء طلوع أوائل الفجر ، وقد جعل الله تعالى ذكره ذلك حد المن لزمه الصوم في الوقت الذي أباح إليه الأَكل والشرب والمباشرة . فمن زعم أن له أن يتجاوز ذلك الحد ، قيل له : أرأيت إن أجاز له آخر ذلك ضحوة أو نصف النهار ؟ فإن قال : إن قائل ذلك مخالف للأَمة قيل له : وأنت لما دل عليه كتاب الله ونقل الأَمة مخالف ، فما الفرق بينك وبينه من أصل أو قياس ؟ فإن قال : الفرق بيني وبينه أن الله أمر بصوم النهار دون الليل ، والنهار من طلوع الشمس . قيل له : كذلك يقول مخالفوك : والنهار عندهم أوله طلوع الفجر ، وذلك هو ضوء الشمس وابتداء طلوعها دون أن يتتام طلوعها ، كما أن آخر النهار ابتداء غروبها دون أن يتتام غروبها . ويقال لقائلي ذلك : إن كان النهار عندكم كما وصفتم هو ارتفاع الشمس ، وتكامل طلوعها وذهاب جميع سدفة الليل وغبس سواده ، فكذلك عندكم الليل هو تتام غروب الشمس وذهاب ضيائها وتكامل سواد الليل وظلامه . فإن قالوا : ذلك كذلك . قيل لهم : فقد يجب أن يكون الصوم إلى مغيب الشفق وذهاب ضوء الشمس وبياضها من أفق السماء . فإن قالوا : ذلك كذلك ، أوجبوا الصوم إلى مغيب الشفق الذي هو بياض . وذلك قول إن قالوه مدفوع بنقل الحجة التي لا يجوز فيما نقلته مجمعة عليه الخطأ والسهو على تخطئته . وإن قالوا : بل أول الليل ابتداء سدفته وظلامه ومغيب عين الشمس عنا . قيل لهم : وكذلك أول النهار : طلوع أول ضياء الشمس ومغيب أوائل سدفة الليل . ثم يعكس عليه القول في ذلك ، ويسأل الفرق بين ذلك ، فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . وأما الفجر ، فإنه مصدر من قول القائل : تفجر الماء يتفجر فجرا : إذا انبعث وجرى ، فقيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلع الشمس فجر ، لانبعاث ضوئه عليهم وتورده عليم بطرقهم ومحاجهم تفجر الماء المنفجر من منبعه . وأما قوله : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فإنه تعالى ذكره حد الصوم بأن آخر وقته إقبال الليل ، كما حد الإِفطار وإباحة الأَكل والشرب والجماع وأول الصوم بمجيء أول النهار وأول إدبار آخر الليل ، فدل بذلك على أن لا صوم بالليل كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم ، وعلى أن المواصل مجوع نفسه في غير طاعة ربه . كما : حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو معاوية ووكيع وعبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عاصم بن عمر ، عن عمر ، قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم " . حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، قال : ثنا أبو إسحاق الشيباني ، وحدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا أبو عبيدة وأبو معاوية ، عن شيبان ، وحدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا أبو معاوية ، وحدثني أبو السائب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن الشيباني قالوا جميعا في حديثهم عن عبد الله بن أبي أوفى قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير وهو صائم ، فلما غربت الشمس قال لرجل : " انزل فاجدل لي " قالوا : لو أمسيت يا رسول الله فقال : " انزل فاجدح لي " فقال الرجل : يا رسول الله لو أمسيت قال : " انزل فاجدح لي " قال : يا رسول الله إن علينا نهارا فقال له الثالثة ، فنزل فجدح له . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقبل الليل من هاهنا " وضرب بيده نحو المشرق " فقد أفطر الصائم " . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن رفيع ، قال : فرض الله الصيام إلى الليل ، فإذا جاء الليل فأنت مفطر إن شئت فكل ، وإن شئت فلا تأكل . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الأَعلى ، قال : ثنا داود ، عن أبي العالية أنه سئل عن الوصال في الصوم فقال : افترض الله على هذه الأَمة صوم النهار ، فإذا جاء الليل فإن شاء أكل وإن شاء لم يأكل . حدثني يعقوب ، قال : حدثني ابن علية ، عن داود بن أبي هند ، قال : قال أبو العالية في الوصال في الصوم ، قال : قال الله : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فإذا جاء الليل فهو مفطر ، فإن شاء أكل ، وإن شاء لم يأكل . حدثني المثنى ، قال : ثنا ابن دكين ، عن مسعر ، عن قتادة ، قال : قالت عائشة : أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ يعني أنها كرهت الوصال . فإن قال قائل : فما وجه وصال من واصل ؟ فقد علمت بما : حدثكم به